أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
96
العقد الفريد
قال : يا إخواني ، واللَّه ما هنأني عيش بعدكم ، ولست أماطلكم بخبري حتى آتى المنزل ، ولكن ميلوا بنا إلى المسجد . فملنا معه ، فقال : أعرّفكم أولا بنفسي ، أنا العباس بن الأحنف ؛ وكان من خبري بعدكم أني خرجت إلى منزلي من عندكم ؛ فإذا المسوّدة محيطة بي ، فمضي بي إلى دار أمير المؤمنين ، فصرت إلى يحيى بن خالد ، فقال لي : ويحك يا عباس ! إنما اخترتك من ظرفاء الشعراء ، لقرب مأخذك ، وحسن تأتّيك ! وإن الذي ندبتك له من شأنك ؛ وقد عرفت خطرات الخلفاء ، وإني أخبرك أنّ ماردة هي الغالبة على أمير المؤمنين اليوم ، وأنه جرى بينهما عتب ؛ فهي بدالة المعشوق تأبى أن تعتذر ، وهو بعز الخلافة وشرف الملك يأبى ذلك ؛ وقد رمت الأمر من قبلها فأعياني ، وهو أحرى أن تستعزّه « 1 » الصبابة ؛ فقل شعرا يسهّل عليه هذه السبيل . فقضى كلامه . ثم دعاني إلى أمير المؤمنين ، فصرت إليه وأعطيت قرطاسا ودواة ، فاعتراني الزّمع « 2 » وأذهب عني ما أريد الاستحثاث ؛ فتعذرت عليّ كلّ عروض « 3 » ، ونفرت عني كل قافية ؛ ثم انفتح لي شيء ، والرسل تعنتني ؛ فجاءتني أربعة أبيات رضيتها ، وقعت صحيحة المعنى ، سهلة الألفاظ ، ملائمة لما طلب مني ؛ فقلت لأحد الرسل : أبلغ الوزير أني قلت أربعة أبيات ، فإن كان بها مقنع ووجهت بها . فرجع إليّ الرسول بأن هاتها ، ففي أقل منها مقنع . وفي ذهاب الرسول ورجوعه قلت بيتين من غير ذلك الرويّ ، فكتبت الأبيات الأربعة في صدر الرقعة ، وعقّبت بالبيتين ، فقلت : العاشقان كلاهما متغضّب * وكلاهما متوجّد متعتّب صدّت مغاضبة وصد مغاضبا * وكلاهما مما يعالج متعب راجع أحبتك الذين هجرتهم * إن المتيّم قلما يتجنّب إنّ التجنّب إن تطاول منكما * دبّ السّلو له فعزّ المطلب ثم كتبت تحت ذلك :
--> ( 1 ) تستعزه : تغلبه . ( 2 ) الزمع : الدهش والخوف ، وشبه الرعدة تأخذ الانسان . ( 3 ) العروض ميزان الشعر .